الشيخ أحمد فريد المزيدي
262
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
فلما سمع الرجل مقالة الجنيد قام وقبّل يده وتاب ، ولازمه حتى ظهر عليه الخير ، ولزم صحبته حتى مات رحمة اللّه عليهما « 1 » . قال الجنيد وسهل وغيرهما من السلف : إن التصديق يزيد ولا ينقص ، ونقصانه يخرج من الإيمان ؛ لأنه تصديق بأخبار اللّه تعالى ، وبمواعيده ، وأدنى شكّ فيه كفر ، وزيادته من جهة القوة واليقين وإقرار اللسان لا يزيد ولا ينقص ، وعمل أركان يزيد وينقص « 2 » . باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا يحكى أن أبا سعيد الخراز قدّس اللّه سرّه كان كثير التواجد عند ذكر الموت ، فسئل الجنيد عن ذلك ؟ فقال : العارف قد أيقن أن اللّه لم يفعل شيئا من المكاره بغضا له ولا عقوبة ، ويشاهد في صنائع اللّه تعالى الحالة به من المكاره صفوّ المحبة بينه وبين اللّه عز وجلّ ، وإنما ينزل به هذه النوازل ليردّ روحه إليه ؛ اصطفاء له ، واصطناعا له ، فإذا كوشف العارف بهذا أو ما أشبهه لم يكن بعجب أن تطير روحه إليه اشتياقا ، وتنقلب من وطنها اشتياقا ، فلذلك ما رأيت من التواجد عند ذكر الموت وربما أتى على قرب منيته ، واللّه يفعل بوليه ما يشاء وما يحبّ « 3 » . قال الجنيد : دخلت على السريّ السقطيّ أعوده في مرض موته ، فقلت : كيف تجدك ؟ فأنشأ يقول : كيف أشكو إلى طبيبي ما بي * والذي بي أصابني من طبيبي فأخذت المروحة أروّحه ، فقال : كيف يجد ريح المروح من جوفه محترق من داخل ؟ ثم أنشأ يقول « 4 » : القلب محترق والدمع مستبق * والكرب مجتمع والصبر مفترق
--> ( 1 ) قال ابن عجيبة : واعلم أن أهل الدليل يستدلون بالصنعة على الصانع ، وبالشاهد على الغائب وأهل العيان صار الغيب عندهم شهادة ، والدليل عين المدلول ، فالقسم الأول أهل علم اليقين والثاني أهل عين اليقين أو حق اليقين . القسم الأول عوام ، والثاني خواص أو خواص الخواص . . وانظر : الإيقاظ ( 2 / 74 ) . ( 2 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 97 ) . ( 3 ) انظر : اللمع ( ص 380 ) . ( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 273 ) ، وروض الرياحين ( ص 214 ) ، والعاقبة ( ص 135 ) .